الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

309

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

و ما وَلَدَ موصول وصلة والضمير المستتر في وَلَدَ عائد إلى والِدٍ والمقصود : وما ولده إبراهيم من الأبناء والذرية . وذلك مخصوص بالذين اقتفوا هديه فيشمل محمدا صلى اللّه عليه وسلم . وفي هذا تعريض بالتنبيه للمشركين من ذرية إبراهيم بأنهم حادوا عن طريقة أبيهم من التوحيد والصلاح والدعوة إلى الحق وعمارة المسجد الحرام قال تعالى : إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا [ آل عمران : 68 ] . وجيء باسم الموصول ما في قوله : وَما وَلَدَ دون ( من ) مع أن ( من ) أكثر استعمالا في إرادة العاقل وهو مراد هنا ، فعدل عن ( من ) لأن ما أشدّ إبهاما ، فأريد تفخيم أصحاب هذه الصلة فجيء لهم بالموصول الشديد الإبهام لإرادة التفخيم ، ونظيره قوله تعالى : وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما وَضَعَتْ [ آل عمران : 36 ] يعني مولودا عجيب الشأن . ويوضّح هذا أن ما تستعمل نكرة تامة باتفاق ، و ( من ) لا تستعمل نكرة تامة إلا عند الفارسي . ولان قوة الإبهام في ما أنسب بإرادة الجماعة دون واحد معين ، ألا ترى إلى قول الحكم الأصم الفزاري : اللّؤم أكرم من وبر ووالده * واللؤم أكرم من وبر وما ولدا يريد ومن أولاده لا ولدا معيّنا . وجملة : لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي كَبَدٍ جواب القسم وهو الغرض من السورة . والإنسان يجوز أن يراد به الجنس وهو الأظهر وقول جمهور المفسرين ، فالتعريف فيه تعريف الجنس ، ويكون المراد به خصوص أهل الشرك لأن قوله : أَ يَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ [ البلد : 5 ] إلى آخر الآيات لا يليق إلا بأحوال غير المؤمنين ، فالعموم عموم عرفي ، أي الإنسان في عرف الناس يومئذ ، ولم يكن المسلمون إلا نفرا قليلا ولذلك كثر في القرآن إطلاق الإنسان مرادا به الكافرون من الناس . ويجوز أن يراد به إنسان معيّن ، فالتعريف تعريف العهد ، فعن الكلبي أنه أبو الأشدّ ويقال : أبو الأشدّين واسمه أسيد بن كلدة الجمحي كان معروفا بالقوّة والشدة يجعل الأديم العكاظي تحت قدميه فيقول : من أزالني فله كذا . فيجذبه عشرة رجال حتى يمزّق الأديم ولا تزول قدماه ، وكان شديد الكفر والعداوة للنبي صلى اللّه عليه وسلم فنزل فيه : أَ يَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ [ البلد : 5 ] وقيل : هو الوليد بن المغيرة ، وقيل : هو أبو جهل . وعن مقاتل :